عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

77

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

الباب الثامن في منازل الواصلين من أهل التمكين [ ترقّي السالك على الدوام ] اعلم أن من شرط السالك أنّه لا يزال يترقّى على الدوام ولا يقف مع شيء ، فإنّه مهما شاهد من محبوبه صفة فوقف معها كان ذلك عين حظّه منه وحجب بها عن الزيادة ، فلا يزال يتطوّر في مراتب الكمال طورا بعد طور ، وكلما أدرك حالة جليلة استعدّ بحصولها عنده إلى منازلة ما هو أكمل منها : [ من الكامل ] لا زلت أنزل من ودادك منزلا * تتحيّر الألباب عند نزوله ثم لا يزال كذلك حتى يصل إلى حالة الدهش ، فعندما تذهل النفس عن عالم الحسّ بل عالمها الخاصّ بها وهو بدنها وقواها ، وتصير علويّة ليس لها همّة إلا في الصعود والارتقاء والرفض لما سوى المحبوب ، وهو مقام الحرّيّة . فإن معنى الحرّ من لا يسترقّه شيء من الأكوان وأعراضها ، بل لا يسترقّه شيء غير محبوبه ، فهو بالإضافة إلى الأكوان حرّ وبالإضافة إلى المحبوب عبد ، إذ العبد المحب هو الفقير مطلقا والمحبوب هو الغنيّ مطلقا : [ من البسيط ] كانت لقلبي أهواء مفرّقة * فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي وصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم * شغلا بحبّك يا ديني ودنيائي « 1 »

--> ( 1 ) هذه الأبيات هي للحسين بن منصور الحلاج وقد سبق ذكره .